أبي طالب المكي
68
علم القلوب
للعلم ، وحامل للعلم ، ووعاء للعلم ، ومتكلم بالعلم ، ورباني في العلم ، وقال صلى اللّه عليه وسلم : « لا تجلسوا عند كل عالم ، إلا عالم يدعوكم من خمس إلى خمس : من الشك إلى اليقين ، ومن الرياء إلى الإخلاص ، ومن الرغبة إلى الزهد ، ومن الكبر إلى التواضع ، ومن العداوة إلى النصيحة » . وقد نهى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عن مجالسة طوائف من الناس ، نهى عن مجالس الأغنياء الراغبين في الدنيا ، وجعلهم في الحقيقة كالموتى ، فقال : « لا تجالسوا الموت فتموت قلوبكم » ، وقال : « لا تجالسوا أهل البدع « 1 » والأهواء » ، وقال : « لا تجالسوا الأفاكين » ، وقال : « لا تجالسوا العلماء الذين يرغبونكم في الدنيا ، ويرخصون لكم في متابعة الهوى ، فإن مجالستهم من أعظم البلاء » ، وقال في حديث : « جالسوا من يذكركم اللّه رؤيته ، ويزيد في علمكم منطقه ، ويرغبكم في الآخرة عمله » . فتدبر في هذا الخطاب ، كأنه قال : لا تجالسوا من إذا نظرتم إليه ذكرتم برؤيته الدنيا ، ولا من إذا سمعتم كلامه أورثكم النقص في أعمالكم ، والعجز والكسل في الصالح في فعالكم ، ولا من إذا نظرتم إلى عمله زهدكم عمله في الآخرة ، نعوذ باللّه من الخذلان ، ولا تجالسوا النساء ، فإن مجالستهم تقسى القلوب . وقال الفضيل بن عياض : لا تجالس إلا من وجدت فيه خصلتين : يذكرك إذا نسيت ، ويعينك إذا ذكرت . وقال ذو النون : جالس من يكلمك عمله لا من يكلمك لسانه . وقال مالك بن أنس : أدركت سبعين شيخا من التابعين ، منهم عباد ، ومنهم من يستشفى بدعائه ما حملت عنهم قط ، قيل : ولم ذاك ؟ قال : لم يكونوا من أهل هذا الشأن . وفي رواية أخرى : ما كانوا يدرون معاني ما يحدثون به ، ولا عندهم فقه
--> - بأسانيدها ، وحامل العلم هو الحافظ للعلم وإسناده ، ووعاء العلم من يردد أقوال العلماء دون فقه لها ، والمتكلم بالعلم من يجلس للناس في مسائل العلم ، والرباني في العلم هو العالم التقى ، واتقوا اللّه ويعلمكم اللّه . ( 1 ) البدعة كل ما لم يقم على صحته دليل في أمور العبادة وكل الأصول ، ويدخل في الدليل الكتاب ، والسنة ، والإجماع ، والقياس ، أما العرف ، فلا يصح دليلا ؛ لأن العرف قد يجمع في مسائل تعبدية كثيرة على خرافات وبدع ، إذا كان عرف العامة .